مسافة الأمان

أولى معاركي مع الطب كانت في رفضي المطلق لدراسته كتخصص في الجامعة ..

وأما معاركي مع الأطباء فهي قوس مفتوح بلا نهاية معلومة .

بمجرد أن تخذلني أطرافي أو ما خفي من أعضائي ، أقلب في سجل الأطباء حسب التوعك الذي أعانيه والتشخيص الأولي الذي أحدده ( عن مزاج لا علمٍ ).

ويصبح الأمر وكأنني بصدد توظيف سري للغاية ،

أبحث في سيرة هذا وذاك ، ثم أقتل ملفه الشخصي بحثا وتقصيّا ، والحقيقة لا أدري عما أبحث تحديدا ، ولكن يهمني جدا أن أذهب للطبيب وأنا على بيّنة من أمره ، وكما لم يعرف هو ذاته يوما من قبل .

وهكذا الحال .. منذ أمدٍ وحتى الآن.

مؤخراً ، كثر ترددّي على أطباء النساء والتوليد ..

وقد وقع اختياري على أحدهم تحديدا دون سواه !..

هو كغيره من بني تخصصه دكتوراه من جامعة مرموقة وأبحاث منشورة في الجامعات المعتمدة إلى آخر السيرة المنمقة المعتادة .

إلا أن ما جعلني أختاره ، فهي تلك الجملة التي وضعها كتعريف مختصر في ملفه الشخصي :

أحب لقب الفنان على لقبِ الدكتور ؛ الجراحة النسائية .. فنّ” .

شهقتُ دهشة .. وحجزت موعدا ، وكم وجدتُ لائحة الانتظار طويلة ، فلجأت إلى أسوأ أساليب الوساطة التي أمقتها . والتقيته ..

كان منهمكا في كتابة التقارير ، ومساعدته تعيد نقل المعلومات إلى الكمبيوتر .. ابتسمتُ إلى كلاسيكيته حتى في التعاطي مع التكنولوجيا . كان أعسر اليد ..

ويصّر على إنهاء ما بين يديه قبل أن يرفع رأسه نحوي.

بقيتُ واقفة لدقائق طويلة ، كانت كفيلة لأن تمنحني معلومات أكثر عن هذا الدكتور .. الفنان .

جدران مكتبه لا تزينها شهادات الإثبات والعظمةالمزيفة ، بل كانت حافلة بلوحات فنية إيحائية ورمزية .. لنساء وقلوب ومسارات تصعّد نحو السماء.

أيّ لوحة أعجبتك ؟

وهكذا سمعت صوته قبل أن أراه ، استدرت بسرعة وحرج ، وتجاهلت سؤاله :

معذرة دكتور ، أودّ أن أشكر كرمك لقبولك الإشراف على متابعتي الطبية .

لا عليك ، فكلّ طلب يأتيني عن طريق مدرستي ومعلمتي له الأولوية ، ولكن هل أنتِ من معارفها أو أهلها ؟

لم أشأ الإفصاح له كيف لجأت إلى وساطة تلك المدرّسة التي يردد اسمها في كل لقاء إعلامي له ، ولكن جميل أن تعرف مداخل الناس من حيث لا يحستسبون .

سُمعتك الطبية ، جعلتني أطمئن وأسعى لك ..

أمارس مهنتي لا أكثر .. دعينا من كل هذا ، بما أنكِ نزلت على جدول مواعيدي بمظليّة خارقة ، فحدثيني عن حالتك .

حالتي بتفاصيلها في الملف أمامك ، ولكن لديّ سؤال لك !

رأيت انزعاجا وضيقا من رديّ ، ولم أهتم وأكملت :

أين تجد الفن في الجراحة النسائية ، وأنت لست بجراح تجميل حتى تفاخر بتخصص كله استئصال ووأد ؟!

فوجئ قليلا ، ولكن رحبت أساريره بالحديث ..

طلب من مساعدته الانصراف إلى حين مناداتها ، ثم نزع نظارته وقال لي :

يبدو أنك باحثة جيدة ، ولا أستغرب .. عموما ، أجد من الفنّ أن تجري شقاّ بسيطا تحت السرة لتخرج منه مولودا للحياة ، ومن ثم تعيد رسم بطن المرأة من جديد وتجعله مستعدا وبأجمل صورة .. لآخر جديد ! أؤمن أنه من الفنّ أن تُعمل مشرطك بحذاقة وأن تميز بين طيّب الخلايا وخبيثها وأن لا تترك للموت ممرا بينهما .. الإستئصال جُرم في ديني ، والإبقاء على الحياة حتى رمق فيها هو فن ، وهذا هو منهجي وديني.

أقنعتني جدا ، وأثق في عرضِك هذا .. جدا.

هل أتيتِ لاختباري مثلا ؟

بل للتعرف إليكَ ..

جميل .. هل تسمحين لي بقراءة ملفك الآن ؟

نعم .. تفضل .

رأيت منه ارتباكاً ، وهو يقلب في أوراق تقريري الطبي ، وبين معلومة وأخرى كان ينظر إليّ متفحصا ، ثم تساءل بجدية وأسىً :

ظاهر جسدك يضج بالصحة والحياة ، أكاد لا أصدق ما أقرأ ، أعتقد أنك بحاجة إلى إعادة التحاليل كلها ..

ألا تحتاج لفحصي سريريا .. قبلها ؟

آه ، نعم نعم ..

لا أنكر أنه أعجبني جدا ، ونسيت في غمرة شعوري هذا ، سبب وجودي في عيادته ..

استلقيت على ظهري ، وتهيأتُ كي أرى وجهه عن قرب .. من أسفل إلى أعلى ( زاوية التصوير التي أحب ).

اقترب مني بسماعته الملقاة خيوطها على صدره ، وطلب مني بهدوء أن أنزل تنورتي .. أسفل سرٌتي ، استجبتُ وسحبتها بسرعة إلى الأسفل . تفحصه لي في هذه المنطقة كان أسرع من طلبه ، وأعتقد أني أحسست برجفات سريعة في حركة أصابعه .

طلب مني الجلوس على سرير الفحص وراح يكشف على جانبيّ من أسفل الظهر ، سألته إن كان يبحث عن موقع الكليتين ، ضحك واستمر في عمله .

بعدها ، وضع كلتا يديه عند ملتقى الكتفين فتأوهت ألما .. أخبرني بلا اهتمام ، أني أعاني تشنجا عضلياً ، فأكّدت على كلامه بأن أمسكت بساعديه كي يبقى متفحصا موضع .. الآهة . وقلت بجرأة:

هلاّ دلكتني قليلا ..

صمت بلا ملامح توضيحية ، ثم اقترب مني قائلا :

أنتِ مشاكسة وخطيرة ..

تجرأتُ أكثر وقلت :

لا تخف ، لن ألوث سجلك الناصع بخطأ طبي ..

هنا ، اقترب وساعدني كي أنهض ، وكنت أقاربه طولا ، وليس بيننا سوى مسافة أمان ضيقة .. وقال لي بصوت خافت :

سأشرف على علاجك ، ولكن لن أجري لك العملية .. أخاف أن أنسى قلبي في أحشائك !

لا تخف ، شُقّني وتفنّن في زرع شيئ آخر في أحشائي .. فلا حاجة لي بقلبك.

ثم انعدمت مسافة .. الأمان.

**

‏Dehea.com🍃

#ديهيا 🍃

#ورقة_التوت 🍃

لاقتناء المجموعة القصصية ، يرجى الضغط على الرابط أدناه :

‏https://www.amazon.com/dp/977503891X

Uncategorized

1 Comment أضف تعليق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: