فوانيس الهوى

تتجاذبها المشاعر تجاهه، بين السلام المحكَم النبرات والملامح الباهتة التعابير، وبين لحظات مسترَقة من نظرات دافئة بها من الكلام ما يعجز اللسان عن صوغه.

هو عميق إلى درجة الظلام والغموض، وواضح إلى حدود الإحراج والندم، وعلى كثرة تجاربها في إعادة تدوير طبائع الرجال، احتارت كيف السبيل له.. لأنور.

– ما بال الشعوب المستضعفة تتمسك بصور البطولة الوهمية؟

– أحب اسمي، وإن كرهت التاريخ والجغرافيا معاً، ولكن هي في النهاية.. أسماء سميتموها.

– ألا تعرف الضحك.. ملامحك تحجّرت.

ابتسم أنور بتحفّظ وبحنق على هذه الجرأة غير المحببة إليه.

أحرجت هبة رهبا، ورفعت نبرتها لتؤكد جديتها، بل وبالغت حتى تراجع برأسه من.. صراخها.

هل هناك من الرجال من يستطيع مقاومتي كل هذه الفترة.. إلا أن يكون..

حاولت أن تستكين إلى هذا الخاطر اللئيم، ولكن لم يفلح خيالها في تهدئة كرامتها المهدرة بكبرياء هذا الرجل.

هبة تعرّفت إلى أنور إثر معضلة أوراق عطّلت إنهاء توزيع تركة والدها على الورثة، فكانت تتأرجح بين كل الإدارات ومصطدمة بين المرتشين والمتحرشين، إلى أن أعيتها مهزلة الحياة، فكان هو متنفذاً مختلفاً، حين علم بملفّها أنهاه في لحظتها وهي واقفة.

– كيف لك أن تنهي مسألة طالت أشهراً؟

– لم تكن بين يدي هذه المسألة.

– وهل يحق لهؤلاء أن يتلاعبوا بمصائر الناس بهذا المستوى من الخزي؟

– المسألة انتهت، وهذا يكفيك.

ثم؟ انتظرت أن يقيس بنظراته طولها، وأن يتموّج برأسه حول تضاريسها، أو في أسوأ الأحوال أن يطلب مكافأة، فتركة أبيها لموظف مثله… ثروة . ولكنه اكتفى بحفظ نسخة من الملف عنده ولم يكرمها حتى بنظرة وداع.

كالمخطئ المعتز بإثمه.. كادت تصرخ في وجهه أنْ انظر إليّ، أنْ التهمْني وأنا من أصدّك.. من أنت حتى لا تراني وكأني نسياً منسياً؟

سعت، وهي الطالبة في آخر سنة لها في الجامعة، أن تنضم إلى حيث يعمل أنور كمتدربة، وكان لها هذا.

وكما عامل ملفها بالحل ثم الحفظ؛ تعامل مع أمر تدريبها، كان يسألها كل يوم عن حاجتها وكأنه يسألها لأول مرة.. لا ضحك ولا ترحيب ولا سؤال عن الحال، وكلما هبّت هبة إلى كسر جدار الرسميات أعاد بناءه بسور أشد صلابة.

لا هو لانَ قلبه ولا هي هانت عزيمتها.

– تصريحاتك في الصحف بها من المساحيق ما ينافي الحقيقة.

– لست مسؤولاً عن إصلاح الكون.

– كما أنك لست مجبراً على الكذب.

– عفواً؟!

كان حديثها له هجوم مباشر بعد أن يئست من استدراجه.. ولكن من حيث لا تحتسب استفزّه ما قالته.

– يا هبة أحياناً نتحدث عن ما يجب أن يكون، عسى أن يتغير الحال.

– هل تتوقع علاجاً شافياً إن لم تشخّص الداء؟

– إداراتنا استوطن فيها الداء، أشعر بالعجز كثيراً.

نبرته حزينة.. جميلة هي ملامحه الآن، وديع ومستكين.

– أنا أؤمن يا أنور بأن التغيير يبدأ حين نجاهر بذكر الخطأ من دون خوف أو تزييف للحقائق.

– وأنا أؤمن بالتغيير الذي يأتي بهدوء وبلا صخب، حين أؤدي مهامي وحين أصغي لضميري وحين أنا وأنت وغيرنا ندرك مكامن الخطأ ونسعى لإصلاحه من دون جَلَبة.

– جميل منطقك هذا.. أنا وأنت.

انتبه إلى أنفاسها التي تهدّجت، فعاد إلى صلابته.

– سعدت بالحديث إليك.

ثم ذهب منشغلاً بهاتفه.

ماذا تريد منه بالضبط؟ ما الذي يستهويها في شخصه؟

فهي تارة تراه نبيلاً ثورياً ومصلحاً، وتارة أخرى متزوجاً بليداً.. وحين يستحكم بها اليأس تراه منطوياً على عقده النفسية.

هي لا تريده في صورة نمطية، ولكنه يراودها خياله حتى تنفجر ينابيعها، وحتى حَلَمتا صدرها تقفان إجلالاً له عند كل مرور قريب.

أمومة مبكرة أم صقيع يناقض فيض البراكين الحارقة التي تعتلج داخلها؟

– هل سمعتِ بالخبر  يا هبة؟

– خيراً.

– أنور استقال من منصبه.

لم تعلق شيئاً، ذُهلت ثم ابتعدت عن لغط التحليلات، حتى تنجو بقلبها الذي يصارع الحياة.

صُدمت، وأكثر من هذا ساورها يقين بأن أنور أُقيل، يده مشهود لها بالنظافة، ومن خلف أبواب الاجتماعات هو منبوذ.. منبوذ.

وفجأة.. قفزت إلى ذهنها أن طبعه وتحاشيه لها هو سد ثغرة للباحثين له عن المثالب.

وتحوّل شعورها الآسف إلى شهية منفتحة على الاستكشاف.. ولم تتوقف كثيراً عند نزغة الضمير.

– هل يمكنني الدخول؟

لم يستغرب جرأتها، وأخذ معه زمن التفكير قبل الترحيب أقل من دقيقة، استطلع خلالها أبواب الجيران المغلقة.

– تفضلي.

ثوانٍ معدودة كانت كافية أن تلتقط فيها زوايا البيت وديكوراته، عرفت أنه ليس مرتبطاً.. والدته تتصدر المجلس، والده يتوارى في إطار صغير خلف أباجورة.. و الشبه بينهما يُختصر في عقد من الزمن.

وبأنف الفضول، شهقت طويلاً بحثاً عن عطور عابرة قد تكون مرّت من هنا.. لم تجد سوى عطن السجائر، وأعقاب مرمية بإهمال.

لا أثر للمرأة هنا.. سواها، وما أسعدها.

أعادت رسم ملامح القلق على وجهها:

– ماذا حدث؟ لماذا استقلت؟

– وما يهمك من أمري؟

كانا واقفين، ثم أشار لها بالجلوس.

– يعنيني أمرك وأنت تعلم هذا، ولكنك تفضّل الإنكار.

– لا أنكر، ولكن أخاف أن أخذلك.

غار قلبها في صدرها، ماذا يقصد؟ هل يرفضها؟

– عن أي خذلان تتحدث، لا شيء منك يوحي لي بالتجاوب وأنا أقرّ بهذا، ولكن لماذا دوماً أشعر أن بيننا خيطاً رفيعاً يربط بين قلبينا؟

وهنا رقّ قلبه للدمع الذي ملأ مآقيها.

– تستحقين من هو أفضل مني.

– ومن قال إني أبحث عن الأفضل، أنا أبحث عنك.

– ثم؟

– لا شيء يا أنور.. دُمت طيباً.

ثم أخذت حقيبة يدها وسحبتها، ومعها سحبت الخيبة.. والدموع.

بقي متردداً يتساءل عن أمثل تصرف يستوجب الحد من خسائره المتتالية. مرورها من أمامه بساقيها الطويلتين قلب كل موازينه.

– هبة

أمعنت في الإسراع.

ولأول مرة يجد نفسه يركض وراء امرأة، سحبها من يدها وأعادها إلى شقته قبل أن تنزل درج العمارة.

بقيت على قبضتها المحكمة، ولكنها استسلمت له بدلال واجم.

وبمجرد أن أغلق بابه عليها، حتى عاجلها بقُبلة كادت تكتم أنفاسها. الباب يهتز  وهو يدفعها بعنف، متخلياً عن اللطف الذي دأب عليه.

ومن بين عراكهما سألته بهمس:

– اعترف، ألم تشتهي وَصْلي يوماً؟

أجابها بطريقته.. أن مزّق قميصها وأفرغ شوق الأمومة من حلمتيها.

صرخت حتى توسل إليها أنْ.. صبراً.

فاللهب مستعرٌ ولا أمل في إطفائه قريباً.

شعرت هبة بأن الوقت طال، وكل شبر من جسدها قد أخذ نصيبه من.. الحب. ولم يعد لها المزيد من الصبر لمزيد من الغواية.

– هل ندخل غرفة نومك، أم ستُبقي ضيفتك عند الباب واقفة؟

مسح عرقه، وكوّر قبضة يده بحدة ثم ضرب بها الجدار، حتى شعرت هبة بأنه كسر عظامه.

ابتعد عنها وهو يتنفس بصوت مثل الذبيح.. جمعت أطراف قميصها الممزق ولحقت به وهي من الألم والخيبة حتى ليكاد يُغمى عليها.

– أنور.. ما بك؟

– أتمنى عليك مغادرة بيتي.

– ولكن لماذا؟

– يوماً ما ستدركين السبب.

تجمدت مشاعرها، تأملته من أخمص قدميه إلى مفرق رأسه، واستوقفها وسطه، لا يزال يشتهيها.

ابتسمت وهي تغادره.

– بيننا لقاء قريب.. يا أنور.

Uncategorized

3 Comments Leave a comment

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: