المرقود

أذكر .. من جملة البؤس الذي أذكره ـ يوما لا يشبه غيره من الأيام ـ .

أيقظتني خالتي بحركة مرعبة لم أتبين فيها أني أنا إلا بعد زمن ضوئي طويل .. أذكر صوتها يطرق بحدة مسمعي :

ـ عمك في الانتظار خارجا بسيارته، غادري معه إلى أحد أقاربنا في المدينة .. فورا ..

ـ ولكن لماذا .. يا خالة ؟

لم تجبني ولكن الدمع والغضب غلباها ، جرّتني من الفراش جرا .. وهي تلعن الذرية من الإناث وكأن لا أنثى سواي .

الغريب حينها ، استجبت وأسلمتها يدي، فالوقت كان فجرا ، واليوم يعد بمغامرة تكسر رتابة الاستيقاظ وقت الضحى الثقيل وبقية الجدول المرسوم سلفا .. لم أسأل .

ـ إنتبه لها جيدا ، ونبه زوجة أخيك أن لا تخرج لوحدها أبدا إلا لحين استردادها …

ـ ماذا ؟ هل أنا ذاهبة إلى مكان لا أخرج منه أبدا؟ 

صعقت لهذا المخطط، ووجدت نفسي أقفز بلا وعي، وأركض بعيدا ، وخالتي تكتم اسمي حنقا بين أسنانها .. أن عودي . 

ولم أعد !.

استجرت بحضن جدتي .. لم تسلني عن الخطب الذي ألّم بي، فقط ألقتْ على رأسي أكمام ثوبها العريضة ، وقالت : عودي للنوم.  

هل ما مرّ بي كان مجرد حلم مقطعة أوصاله بين السقوط في هوة .. والارتطام بجسد آمن بعد قراءة المعوذتين ؟!

مرّت سنوات عجاف من الجفاء .. وفجأة نُفجع بخبر هروب تلك الصبية الصغيرة بنت الخالة . 

أي فضيحة هذه التي ستأتي على شرف القبيلة لقرون عدة تالية !؟.

خالتي تلوذ ببيتنا هروبا من نقمة الزوج .. تركته ينطح جدران بيته .. سيء السمعة.

– هلا سامحتني يا ابنتي ؟

– علامَ ؟ 

– كدتُ أرتبك جرما في حقك .. وأنت منه براء ! 

وأعادتني إلى تفاصيل الحلم المتقطع ووصلت حلقاته بأسلاك حادة.. أن القرية لحظت انتفاخا في بطني وأن نومي زاد عن حده وكيفما اتفق .. وان فساتيني أخذت تصاميم موحدة تضيق عند الصدر وتتسع لتخفي ما بَطن. 

وأن الجار الشاب تبادل معي قبلها غمزات وتم رصد غيابنا بالتزامن إلى أن غاب إجباريا في خدمة .. إجبارية. 

فكان لابد من اختفائي إلى حين .. الوضع! أو وضع حدا لحياتي! .. لا يهم . 

فنفخ الروح وقطف روحٍ لا فرق بينهما .. هنا .

وبعدها أستفيق مرة أخرى وخالتي تبكي عارها ولكن بتساؤل وجودي عميق : هل هو انتقام سماوي لأني أردت حفظ شرف ابنة أختي ؟

أجبتها ببلاهة : هل يمكن أن يرقد الجنين ست سنوات في بطني ؟ 

أجابت بيقين : نعم .. وهذا يسمونه “المرقود” .

شعرت ُ بالنعاس والتقطتُ صورة للذكرى .. ولم أسأل عن معنى الكلمة التي في بطني.

Uncategorized

4 Comments أضف تعليق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: